لهذه الأسباب فشلت استراتيجية التوظيف في قطاع التربية

60 ألف موظف من القطاع دُفعوا دفعا نحو التقاعد

لهذه الأسباب فشلت استراتيجية التوظيف في قطاع التربية

Echorouk Actualité
لهذه الأسباب فشلت استراتيجية التوظيف في قطاع التربية

إن الإنتاج الحقيقي للثروة ينطلق من العناية بالمورد البشري وتمكينه من المؤهل الذي يجعله منتجا للمادة الرمادية التي هي رأس مال التكنولوجيا والثروة الاقتصادية، ويعتبر النظام التربوي القاعدة الأساس لكل ذلك.

إن الأهداف التي يتبناها النظام التربوي هي التي تحدد ملامح المجتمع والدولة وتصنع مستقبلهما.. فهي التي تحقق رغبتنا الطامحة في الارتقاء بالمجتمع، متى كانت واقعية ودقيقة، منطلقة من التشخيص الدقيق للواقع الاجتماعي، محددة في الزمان حتى لا تتحول إلى مجرد أفكار طامحة مستعصية على التطبيق، فاقدة للجدوى.

إن العملية التربوية بهذه الحساسية وظيفة لا يمكن إسنادها إلا لمورد بشري مؤهل هو نتاج تكوين متخصص دقيق الملامح من حيث مدخلاته ومخرجاته وفق دفتر شروط هادف ومنسجم مع الأهداف التربوية، إن هذا المؤطر التربوي هو الذي ينتظر منه أن يحول الفكر والمعرفة إلى كفاءة منتجة للحضارة.

إن مفهوم التكوين المتخصص للإطار التربوي الذي يجب أن تجسده المدرسة العليا للأساتذة هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن ينتشل المدرسة مما هي فيه من سوء الأداء وتدني المستوى.

إن القاعدة في التوظيف يجب أن تكون منتوج المدرسة العليا للأساتذة، أما الاستعانة عند الضرورة بمسابقات التوظيف من بين خريجي الجامعات كاستنثناء.. غير أن الواقع المعيش والذي حول الاستثناء إلى قاعدة وأبقى منتوج المدرسة العليا للأساتذة رتيبا لا يتطور ولا يوفر في أحسن الأحوال أكثر من سدس الاحتياج الحقيقي للقطاع، يعبر عن فشل الإدارات المتعاقبة لقطاع التربية في رسم سياسة واضحة للتوظيف تقترب من الأهداف المنشودة، كما أنه لا يعفي الجامعة وبالتالي وزارة التعليم العالي من المسؤولية، فإذا كنا نتحدث عن ضرورة استجابة الجامعة لضرورات السوق الاقتصادية واستجابتها لما تتطلبه مؤسساته من معرفة وكفاءة فإن استجابتها لمتطلبات النظام التربوي وما يحتاجه من مورد بشري مؤهل أكثر من ضرورة، إنه التقصير الذي ندفع ثمنه كمجتمع على جميع الأصعدة..

إن الاستثمار الحاصل في مسابقات التوظيف الخارجي التي أصبحت تشكل صداعا مزمنا في قطاع التربية والغفلة عن توسيع منتوج التكوين المتخصص لا يبشر بمستقبل واعد للقطاع في هذا المجال، بل هو تعبير صادق عن انحصار نطر المسير وانحراف بوصلته عن مسارها الصحيح.

فعلى سبيل المثال لا الحصر في رتبة أستاذ المدرسة الابتدائية التي هي ـ في نظري ـ الرتبة التي يجب أن تلقى العناية الخاصة حتى لو اقتصر التكوين مؤقتا عليها دون غيرها نجد أن الإدارة من خلال توسعها في التوظيف الخارجي عوّمتها إلى ما يزيد عن (20) تخصص دون مراعاة الملاءمة المطلوبة ما يفقد المنتسبين إليها بهذه الطريقة أي ملمح لتصبح مهمة التكوين أثناء الخدمة غير مجدية.

ما زاد الوضع تعقيدا النزيف الذي أحدثه سوء إدارة ملف إلغاء التقاعد النسبي والذي أتى بعكس نتائجه، فمن الناحية الاقتصادية فقد أثقل كاهل الصندوق الوطني للتقاعد بعبء 200 ألف متقاعد جديد كان يمكن أن يستمروا في العطاء لخمس سنوات أخرى على الأقل، وإذا كان نصيب قطاع التربية منهم ما يقارب 60 ألفا فلا يخفى على عارف الأثر التربوي الخطير لهذا الإفراغ المفاجئ للخبرة التربوية والذي بدأت نتائجه تتبدى وستظهر أكثر في مخرجات النظام التربوي على مدى أبعد.. إنها جريمة في حق القطاع ولو كانت بحسن نية.

من هذا المنطلق نقدم جملة من الأفكار نراها ضرورية للعودة بالموضوع إلى مساره الصحيح:

أولا: التكوين الأولي (المتخصص) مهمة وزارة التعليم العالي.

هناك نوعان من التكوين:

ـ التكوين المتخصص (ألأولي): ونقصد به التكوين الذي يكسب المتكون الشهادة التي تؤهله لممارسة مهام رتبة معينة.

ـ التكوين أثناء الخدمة: وهو الذي يتلقاه الموظف لأجل تطوير أدائه ومهاراته عادة ما تمارسه الجهة المستخدمة.

فيجب أن ينصرف التفكير في وزارة التربية الوطنية عن إمكانية ممارسة التكوين الأولي ـ الذي يجب أن يبقى من اختصاص وزارة التعليم العالي من خلال شبكة المدارس العليا للأساتذة ـ إلى الاهتمام بالتكوين أثناء الخدمة الذي يكمل النقص وينقل الخبرة بين طبقات المشتغلين بالعملية التعليمية.

ثانيا: يجب أن ينصرف جهد وزارة التربية إلى إعداد دفتر شروط منسجم وفق الأهداف المسطرة للنظام التربوي كما أسلفنا والذي يحدد ملمح التكوين المطلوب انسجاما مع أهداف العملية التربوية،على أساسه ينشأ العقد المشترك بين وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي، خاصة وأن دفتر الشروط الحالي قد تجاوزه الزمن.

ثالثا: إن الحديث عن إعادة بعث معاهد التكوين التي كانت تحت وصاية وزارة التربية الوطنية من أجل التكوين الأولي حديث غير أكاديمي، لأن أي شهادة حتى تكتسب صفة شهادة عليا لا بد أن تكون تحت الوصاية البيداغوجية لوزارة التعليم العالي كما هو الحال بالنسبة لشهادة التخرج من المدرسة العليا للأساتذة في رتب التدريس الثلاث هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الإطار التشريعي الذي كانت تعمل فيه هذه المعاهد قد تغير انطلاقا من سنة 2006 بصدور الأمر 06ـ03 المتضمن القانون الأساسي الخاص بالوظيفة العمومية وانبثاق القوانين الأساسية القطاعية، ثم صدور المرسوم الرئاسي 07ـ304 المتضمن الشبكة الاستدلالية لمرتبات الموظفين وتصنيفاتهم..

بينما يمكن أن تستغل هذه المعاهد لتكريس التكوين أثناء الخدمة الذي كان موضوع اهتمام وتوجيه من قبل مصالح الوزارة الأولى والتي رصدت له ميزانية خاصة.

كما أنها يمكن أن تكون مفيدة في التكوين من أجل الترقية في الرتبة، خاصة إذا علمنا أن طبيعة القانون الأساسي الخاص بالموظفين التابعين لقطاع التربية يضيق جدا التوظيف الخارجي، إذ يحصره في الرتب القاعدية التي تنبثق عنها رتب الترقية الأعلى.

رابعا: يجب التركيز على رتبة أستاذ المدرسة الابتدائية والبحث عن كيفيات كفيلة بتوفير الحاجيات المعلنة فيها، لأن نجاح النظام التربوي مرهون بنجاح المرحلة الأولى منه التي يتعامل فيها مع طفل خالي الذهن من كل مقدمات لتشرع في تربيته وتعليمه وبناء شخصيته، فليس هناك تخصص معين يمكن أن يفي بالغرض ولكن هناك جملة من المتطلبات البيداغوجية والمعرفية لهذه المرحلة لا يمكن أن يستجيب لها إلا التكوين المتخصص، بينما في المرحلتين التاليتين المتوسط والثانوي فإن التلميذ يبدأ في الاعتماد على نفسه من جهة، ومن جهة أخرى تتمايز الحاجة المعرفية إلى تخصصات مختلفة يسهل من خلالها استغلال منتوج الجامعة لأجلها مؤقتا ريثما يتوفر منتوج التكوين المتخصص.

خامسا: إن موضوع التكوين المتخصص هذا هو موضوع عمل حكومي منسق بين وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي، والنجاح فيه لا يمكن أن يتحقق إلا بالتنسيق المستمر والمتابعة الدائمة، ينطلق بالأساس من حسن إعداد دفتر الشروط، ثم تبني ميكانيزمات دقيقة في وزارة التربية الوطنية تمكنها من حسن التعبير عن احتياجها في مختلف رتب التدريس وتخصصاتها حسب جغرافيا محددة ـ أقصد بذلك تجديد الاحتياج حسب الولاية ـ تتعامل على أساسها وزارة التعليم العالي وليس لسنة واحدة فقط ولكن لخمس سنوات على الأقل وفق مخطط خماسي للموارد البشرية، خاصة إذا علمنا أن مدة التكوين قد تصل إلى (05) سنوات كما هو الحال بالنسبة لأستاذ التعليم الثانوي، فالأستاذ الذي تطلبه اليوم لا يمكن أن تحصل عليه إلا بعد (05) سنوات.

سادسا: على وزارة التعليم العالي أن تتعامل بمرونة في الموضوع، فإذا لم تستطع أن توفر مرفقا خاصا يسمى "المدرسة العليا للأساتذة" فبإمكانها أن تفتح قسما في كل جامعة ملحقا بالمدرسة العليا للأساتذة ريثما ينتظم الوضع، ومهما كان الخلل فإنه سيكون أفضل بكثير جدا من اللجوء إلى مسابقات التوظيف الخارجي.

سابع : وبمناسبة الحديث عن التعبير عن الاحتياج المتعدد السنوات، فمن الحلول السريعة التي يمكن اعتمادها بالتنسيق بين الوزارتين مثلا ما يلي: ندرك أن الجانب المعرفي الذي يكتسبه المترشح للوظيفة التربوية من الجامعة يمكن أن يكون كافيا، ولكن التركيز على الجانب البيداغوجي الذي تقدمه المدرسة العليا للأساتذة ولا تقدمه الجامعة فيمكن كحل عاجل إجراء مسابقة التوظيف سنة أسبق من سنة الاحتياج من بين الحاصلين على شهادة الليسانس ليلتحقوا بالمدرسة العليا للأساتذة لسنة كاملة بيداغوجية بعدها يستلموا مناصب العمل.. خاصة وأن رتب التدريس مصنفة أعلى من تصنيف شهادة الليسانس فتكون السنة الدراسية مثمنة وبالتالي يتضاعف العدد على الأقل (03) إلى (05) مرات حسب الرتبة لمواجهة نزيف كالنزيف الذي أحدثه سوء التعاطي في موضوع إلغاء التقاعد النسبي كما أسلفنا.. إلى أن يستقر الوضع وتعود المياه إلى مجاريها.. هذا ممكن، خاصة وأن مخططات تسيير الموارد البشرية لم تعد عائقا امام مثل هذه العملية.

وفي الأخير، وإذا كانت السلطات العليا في البلاد قد تدخلت في مسائل إجرائية تقنية شعرت بأن وزارة التربية قصرت فيها فإن قضية مثل قضية سياسة التوظيف وأثرها الخطير على مستقبل النظام التربوي لهي قضية جديرة باستدعاء تدخلها من أجل إرساء معالم سياسة واضحة ودقيقة تنقذ النظام التربوي.

وإذا كانت الحكومة الحالية قد أثارت حركية ملفتة ومبشرة، فقد تدخلت بالتدقيق والتحقيق والمتابعة في العقار الفلاحي والصناعي والصناعة وغبرة الحليب.. فمن باب أولى أن تشمل هذه الحركية موضوعا حساسا كهذا وعليه فأنا أدعو الوزير الأول أن يسدي توجيهاته للوزارتين المعنيتين التربية والتعليم العالي من أجل الانطلاق في عمل مشترك منظم مستمر دائم من أجل تصحيح هذه الوضعية وذلك من صميم التناغم المطلوب في الأداء الحكومي.

إن العناية المطلوبة بهذا المجال تستدعي استبعاد كل الشوائب التي من شأنها التأثير السلبي عليه. فلا بد من شيء من الحزم والصرامة والصراحة والتخلي عن الخطاب الشعبوي وعن السلوك الشعبوي الذي يستجيب للمشكلات الظرفية بحلول هي في حد ذاتها مشكلات موضوعية كما حدث في موضوع تمييع القرار المتعلق بالتخصصات المؤهلة للتدريس وفتحه على مصراعيه حتى بدا وكأنه سلوك مقصود لتدمير قاعدة المنظومة التربوية في مرحلتها الأولى. فإذا كانت مادة اللغة الفرنسية مثلا لا يدرسها إلا حامل لشهادة الليسانس في الفرنسية أم ليسانس في الترجمة من وإلى الفرنسية وهو أمر منطقي، فلماذا يسند تدريس اللغة العربية إلى ما يزيد عن 20 تخصصا لا يجمع بينها جامع..

إن إبعاد المدرسة عن السياسة وعن الحشو الإيديولوجي الغربي أو الشرقي الذي كرسته النصوص والقوانين يجب أن يكون ثابتا وطنيا يؤمن به الجميع ويدافع عنه الجميع في صرامة وانضباط. إن فكرة الدولة وهيبتها يجب أن تبرز بقوة لتلغي كل من يجعل نفسه فوقها أو يفرضها بديلا عنها. فالوطن ليس كرة تتقاذفها أقدام المحترفين والهواة لنستحيل شعبا بلا وطن أو وطنا بلا هوية.

إن نظامنا التربوي يجب أن يعبر بصدق عن هويتنا الجزائرية ويكرس ثوابتها التي يجب أن تكون محل اتفاق واحترام وتقديس.

القراءة من المصدر

شارك بتعليقك